موقع محمد بن المختار الشنقيطي / كتب – مقالات فكرية - تحليلات سياسية – حوارات - أشعار - فتاوى سياسية


   
فتاوى سياسية

مقتطفات من كتاب محمد بن المختار الشنقيطي:

"فتاوى سياسية: حوارات في الدعوة والدولة"

الذي صدر مؤخرا عن "مركز الراية للتنمية الفكرية" في دمشق وجدة

  • مارأيكم في التلازم بين الطغاة والغلاة والغزاة؟ وهل الأول سبب للثاني والثاني سبب للثالث أم ماذا؟

    هذه الثلاثية الجميلة –أقصد القبيحة- تفسر الكثير من جوانب مأساتنا اليوم. فما من ريب أن الطغاة هم الذين يفتحون الباب للغزاة. وقد عبر عن ذلك الأستاذ المفكر مالك بن نبي منذ عقود فقال: إن القابلية للاستعمار هي التي تقود إلى الاستعمار، وإن الأفكار الميتة تمهد للأفكار المميتة، بمعنى أن عدم تحصين مجتمعاتنا سياسيا وثقافيا هو الذي جعل أبوابها مفتحة لأي عدو طارق.
    لقد انسحبت الإمبراطورية البريطانية من كل مستعمراتها على الأرض ثم لا يزال لديها جنود في البحرين والكويت والعراق مثلا، وهذا مؤشر على أن أمتنا هي أقل أمم الأرض حصانة ومنعة. والتحصين يكون بإحدى طريقتين إما تحصين سياسي للأمة من خلال تغيير القيادات المفلسة واختيار قيادات شرعية تحترم إرادة الأمة وتحميها، وإما تحصين عسكري للأمة ببناء قوة رادعة تجعل الطامعين فيها يفكرون مليا قبل الإقدام على غزوها. والتحصين الأول أي السياسي أولى وأضمن ثمرة لأن المواطنين الأحرار هم الذين يستطيعون حماية بلدانهم، أما القوى العسكرية وحدها مع العبودية السياسية فهي لا تفيد. وليس السلاح الباكستاني النووي منا ببعيد. لقد قال عنترة بن شداد منذ أمد بعيد: "إن العبد لا يحسن الكر والفر، وإنما يحسن الحليب والصر".
  • ما هو الموقف الشرعي من المجاهدين الذين قد يرتكبون أحيانا أفعالا غير مقبولة بميزان الشرع؟ هل نتبرأ منهم ومن جهادهم أم نتغاضى عن أخطائهم تعظيما لجهادهم؟

    لا هذا ولا ذاك.. فقد ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد" ثلاثا، وذلك حينما ترخص خالد رضي الله عنه في قتل قوم أظهوا الإسلام. . وفي ذلك درس لنا أن المجاهد ليس فوق النقد، بل هو بشر يصيب ويخطئ، فالواجب بيان خطئه إذا أخطأ، والتبرؤ من فعله إذا أساء، دون التبرئ من مبدإ الجهاد، الذي هو ذروة سنام الإسلام، أو التبرئ من المجاهدين الذين هم درع الأمة وحصنها الحصين. فالنبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من فعل خالد بن الوليد، لكنه لم يتبرأ من خالد، ولاعطل الجهاد بسبب أخطاء خالد، بل ظل خالد أحد قادته الكبار بعد التبرئ من فعله ذلك. وهذا أمر دقيق المسلك نحتاج إلى تدبره بروية. ومهما يكن فإن العمل الإسلامي الذي سيبقى ويثمر هو العمل اذي يلتزم شرعية الأهداف والوسائل كليهما، لأن الله تعالى طيب ولا يقبل إلا طيبا. وتلك هي الوسطية التي نحتاج التأكيد عليها اليوم. على أن استعمال القوة لا يحكم عليه في ذاته بالقبول أو الرفض، إذ قد يكون شرعيا في بعض الظروف، وغير شرعي في ظروف أخرى.

  • هل فشلت الحركات الإسلامية في اجتذاب النخبة؟

    لا أعتقد أن الحركة الإسلامية فشلت في اجتذاب النخبة، بل إن من مشكلات بعض الحركات الإسلامية أنها نخبوية أكثر من اللازم، ولم تستطع مد أجنحتها إلى عامة الناس. ومن أبلغ أمثلة ذلك "الجماعة الإسلامية في باكستان". فنظامها الذي كان يصنف الأعضاء إلى "أركان" و"متفقين" نظام جامد ضيق. وقد نشرت عن تجربة "الجماعة" في هذا الشأن مقالا بعنوان: "هاجس التميز ومخاطر الانعزالية".

    قد يكون من الحق القول إن بعض الحركات الإسلامية عجزت عن استيعاب العديد من أهل الفكر والقلم، ولعل من أسباب ذلك حاجة المفكرين إلى حرية الرأي، وضيق بعض الحركات الإسلامية بهذه الحرية. كما أن من أسبابه "شطحات" بعض المفكرين والكتاب، وإغراقهم في التنظير بعيدا عن الوقائع التي تعيشها الأمة، واغترارهم بالقوالب الذهنية المجردة التي يتصارعون بها وعليها.

    لكن فشل الحركات الإسلامية في اجتذاب العوام، وصياغة خطاب يفهمونه ويستوعبونه هو الفشل الأكبر في هذا المضمار. والعوام هم وقود التغيير ومادته.

  • ألا ترى أن مفهوم "الحركة الإسلامية" أو "الجماعة الإسلامية" أصبح تقليديا، غير منسجم مع تطور الأنشطة الجماعية البشرية المعاصرة؟ وأنه آن الأوان لتحل محلها مفاهيم "القيادة" و"العمل التطوعي" و"التنظيم الإداري" التي لا تضفي أي قداسة باسم الدين على شكل الجماعة، وإن كان منهجها ونشاطها يهدفان إلى إقامة الحياة الإسلامية.. وأن الأولى أن يصبح العمل الإسلامي قائما على علوم الإدارة الحديثة القائمة على تجميع الإسلاميين على قاعدة التخصص، تنتفي معه مفاهيم "البيعة" و"الإمارة"؟!

    أعتقد أن مفهومي "البيعة" و"الإمارة" مفهومان سياسيان، وليسا مفهومين اعتقاديين، لكن هذا لا يعني أنهما ليسا جزءا من الدين، بل هما جزء أصيل من مقاصد الدين في تحقيق مصلحة الجماعة. والإسلام دين محوري يستقطب حياة الفرد والمجتمع كلها. ولا ينفي ذلك الحاجة الملحة للاغتراف من الفكر الإداري والسياسي المعاصر. فليس العيب في "البيعة" و"الإمارة"، فكلاهما مفهوم شرعي وعملي أصيل، بل فيما نضفيه أحيانا على هذه المفهومين وغيرهما من معان ودلالات لا تنسجم مع روح الشرع في العدل والحرية والديمقراطية.

    فما نحتاجه اليوم هو التحرر من الوثنية السياسية السائدة في العالم الإسلام الآن، والانطلاق من أن الأمير أجير، وليس ربا معبودا، وأن الحركة وسيلة لا غاية، وأن البيعة التزام لا إلزام...الخ وقد أورد الحافظ الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" أن التابعي الزاهد أبا مسلم الخولاني دخل على معاوية بن أبي سفيان، أيام ملكه بالشام، فقام بين السماطين فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا :مهْ، فقال معاوية: دعوه فهو أعرف بما يقول، وعليك السلام يا أبا مسلم. ثم وعظه وحثه على العدل.

    وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" في ترجمة الشاعر المتنبي أن المتنبي مدح مرة أحد الملوك بأسلوبه المغالي، فقال:

    يا من ألوذ به فيــما أؤمله ** ومن أعوذ به مما أحـــاذره

    لا يجبر الناس عما أنت كاسره**ولا يهيضـون عما أنت جابره

    ثم عقب ابن كثير بأن ابن القيم أخبره أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرأ هذين البيتين في سجوده، ويقول: "لا يصلح هذا لغير الله"..

    فالوثنية السياسية ضاربة بأطنابها في ثقافتنا، والأصنام البشرية حلت محل الأصنام الحجرية، ولا سبيل لنا سوى التقيد بوصية الشاعر محمد إقبال في نبذ منهج آرز، واتباع ملة إبراهيم عليه السلام وهو يحطم الأصنام:

    نحت أصـنام آزر ** صنعة العاجز الذليلْ

    والذي يطلب العلا ** حسبه صنعة الخليلْ

  • ما هو تقييمكم لأداء الحركات الإسلامية مع الحكومات؟ وهل طريقة تعاملها هي الأنسب في هذه المرحلة؟

    التعامل مع الحكومات مسألة نسبية تخضع لظروف المكان، فلا مجال لوضع صيغ نظرية عامة حولها، تصلح لكل الحركات الإسلامية، فتلك دعوى عريضة لا نستطيع ادعاءها. كما أن الحكم على الوسائل حكما عاما ودائما يحولها إلى غايات، ويفقدنا المرونة الذهنية والعملية في التعاطي معها. ولا يعني هذا موقفا سلبيا من تجارب الحركات الإسلامية في هذا المضمار، وعدم تعريض تلك المواقف للفحص والتقييم، بحجة أن "أهل مكة أدرى بشعابها". بل لا بد من دراسة كل تجربة، وبيان حظها من النجاح والإخفاق، أملا في تحصيل العبرة والخبرة للمستقبل. وعموما فأنا ممن يحبذون علاقات سلمية مع الحكام -ما كان ذلك ممكنا- لأنها هي التي تضمن تحولا أخف إيلاما، وأقل ثمنا، وأكثر رحمة بالأمة. مع اقتناعي بعبرة تاريخية مفادها أن المواعظ المجردة لا تردع الحكام الظلمة، ولا تجعلهم يتنازلون عن سلطة اغتصبوها بغير حق، وأن سنة المدافعة من أهم سنن الله في الحياة السياسية والاجتماعية: "ولولا دفع الله النا بعضهم ببعض لفسدت الأرض"، وأن الأخذ على يد الظالم واجب شرعي لن تفلح أمتنا حتى تعطيه حقه من الفهم والتطبيق. ففي الحديث النبوي الصحيح: " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه". وقد نشرت على موقع الجزيرة نت بحثا مفصلا عن "الإخوان والعلاقة بالسلطة" يتناول هذاا الشأن بشكل أكثر رحابة وتفصيلا.

  • كثيرا ما نسمع فقهاء زماننا يحذرون من مقاومة الظلم السياسي، ويدعون إلى طاعة كل حاكم، حتى ولو كان غير شرعي.. ما العمل مع هذا؟

    إن الحكام المستبدين من غليظ المنكر الذي يجب على كل مسلم تغييره. ويقتضي اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام هدَّ عروش الظلمة الذين يستعبدون الناس ويتحكمون في أنفسهم وأموالهم من غير حق. وقد رفع الخلفاء الراشدون عن الشعوب ظلم الأكاسرة والقياصرة والأباطرة، فلما رجع الظلم إلى ديار الإسلام مع تحويل الخلافة إلى ملك، قاومه خيرة الصحابة وبذلوا أرواحهم في سبيل تغييره، كما حدث في ثورة الحسين بن علي، وثورة عبد الله بن الزبير، وثورة أهل المدينة ضد يزيد، وثورة التوابين بالعراق التي قادها الصحابي الجليل سليمان بن صرد، وثورة الفقهاء بعد ذلك بقيادة عبد الرحمن بن الأشعث.. أما عدم نجاح هذه الثورات فهو لا يطعن في سلامة منطلقها وشرعية فعلها، وإنما يقول ذلك متأخرة الفقهاء الذين اعتادوا التكيف مع الواقع وتبرير الظلم السياسي. ومهما يكن فإن أولئك الصحابة الذين حملوا السيف ضد الاستبداد أفقه في الإسلام من أي فقيه متحذلق يأتي بعدهم. ولذلك قال ابن حجر إن مذهب السيف "مذهب للسلف قديم، ولكن استقر الأمر على ترك ذلك". ومقصوده بمذهب السيف مقاتلة الحاكم الجائر. فحري بمن يريدون اتباع السلف أن يأخذوا بمذهب السلف القديم، ويرفعوا ظلم المستبدين عن أمتهم، ولا تستعبدهم مقولات المتأخرة من الفقهاء..

    على أن الشرع المبني على جلب المصالح ودرء المفاسد يقتضي من الطامحين إلى التغيير الاجتهاد في تقليل ثمن التغيير من الدماء والأموال إلى أقصى حد، وعدم الانجراف إلى الموجهات الهوجاء، التي تتحول من حرب على الحاكم الظالم إلى حرب على الشعب المظلوم.

  • ما هو السبب الحقيقي في عدم وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة؟

    من الأسباب التي تحول بين الإسلاميين والوصول إلى السلطة أسباب فكرية، مثل الإلحاح في فقهنا السياسي على "الخوف من الفتنة" و"وجوب الطاعة" مع عدم التدقيق في هذه المعاني، وعدم التمييز بين مفهومها الشرعي المبدئي ومدلولها التاريخي الاصطلاحي، ودون التمييز فقهيا بين التعاطي مع سلطة شرعية لها بيعة اختيارية في أعناق الناس يجب الوفاء بها، وبين سلطة مغتصبة لا بيعة لها ولا طاعة شرعا، بل هي جزء من المنكر الذي يجب تغييره.. ومنها أسباب عملية لعل أولها عدم قدرة الإسلاميين على إبعاد الجيش عن الحياة السياسية، وهو الشرط الأول في بناء أي سلطة شرعية، تتأسس على الاختيار لا على القوة. وقد نشرت تحليلا مطولا بهذا المعنى على موقع الجزيرة نت بعنوان: "الجيوش العربية من الانقلابات إلى الثورات". ومن المهم الانتباه هنا، إلى أن الوصول إلى السلطة –على أهميته- ليس وصولا إلى الغاية. وذلك درس تعلمناه من تجربة الحركة الإسلامية في السودان، فهي حركة رائدة في الثقافة العملية بمعناها الحركي، لكن فقهها في مجال الدولة لا يزال ضعيفا. وهو ما يفسر تخبطها في التعاطي مع قضايا كثيرة يعيش السودان آلامها اليوم.

  • بماذا تنصح العاملين للإسلام الذين بدأ يساورهم شك في جدوى العمل الجماعي بسبب القصور القيادي والتنظيمي في حركاتهم؟

    الأصل أن العمل الجماعي مطلوب شرعا، مرغوب واقعا. ونصيحتي للمسلم الملتزم هي الارتباط بكل العاملين أفرادا وجماعات، فإن وجدت في بعض الحركات الإسلامية ما لا يرضيك قيادة أو أداء، فستجد عندها بعض ما يرضيك تربية وثقافة مثلا... وحافظ على ولائك لكل المسلمين، بمختلف مشاربهم ومذاهبهم. ولا تقصر عملك على القنوات والمؤسسات التي تنتمي إليها، بل اعمل معها ومع غيرها، ولا تخلط بين الانتماء والولاء: فانتماؤك إلى جماعة لا يعفيك من منح الولاء لكل الجماعات العاملة والأفراد العاملين، بل الولاء والنصح لكل مسلم. واصحب كل قوم على أحسن ما عندهم، وابذل جهدك في العمل الفردي موازاة مع العمل الجماعي، واتخذ لك مشاريعك الدعوية الخاصة التي تجعل لحياتك الشخصية معنى، وتكون لك معذرة عند الخالق سبحانه، ولا تداهن الجماعة أو القيادة، واقتحم وبادر، ولا تنتظر الأوامر.

  • متى نرى السعي الحقيقي في وحدة العمل الاسلامي وكأنه بنيان مرصوص

    صورة البنيان المرصوص واتحاد القلوب بشكل مطلق صورة مثالية نسعى إليها وقد لا ندركها، فما نحتاجه اليوم هو صيغ عملية لتنظيم الخلاف والتعايش معه، والتعاون على المجمع عليه، والعذر في المختلف فيه. ويحتاج الأمر إلى ثورة فكرية تميز بين المفهوم الشرعي والمصطلح التاريخي، والتأكد من صحة المنطلقات البسيطة التي يتجاوزها بعض المسلمين أحيانا، مثل واجب منح الولاء لكل المسلمين، فالولاء للمسلم لا يسقط إلا بسقوط أصل الإسلام، فلا يكن ولاؤك مقصورا على المسلم الملتزم فقط، أو الجماعات والطوائف التي تعتبرها ملتزمة بالسنة، فالولاء حق لكل مسلم أدى الحد الأدنى من الإسلام، وحتى لو كان فاسقا أو مبتدعا، فامنحه حقه من الولاء، ولا تخذلْه ولا تظلمْه ولا تسلمْه لعدو، وأعنه على إصلاح شأن دينه، والتخلي عن ما التبس به من بدعة أو معصية. وهذا ما نفهمه من حديث رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم :"من صلى إلى قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم الذي له ذمة الله ورسوله".

    وتستلزم الوحدة التحرر من المصطلحات التاريخية التي أدت دورا وظيفيا في الماضي ثم أصبحت عبئا على العقل المسلم اليوم، مثل مصطلح "السلفية" و"الصوفية" و"السنة" و"الشيعة". فالرجوع إلى المفاهيم القرآنية والتسميات القرآنية هو الذي يبدد هذه الغواشي، وقد سمانا الله عز وجل مسلمين: "هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا..."، وهي تسمية أفضل شرعا ومصلحة من الاصطلاحات التاريخية. كما أن أي مفرق لكلمة المسلمين – فردا كان أو جماعة- فهو "شيعي" بالمفهوم القرآني، حتى وإن اعتبر نفسه من "أهل السنة والجماعة"، واقرأ إن شئت قوله تعالى :"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء"، وفي قراءة: "إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا". وما أكثر "الشيعة" بيننا، المفرقين لصف الأمة، ممن يحملون راية السنة والجماعة!!

  • لا توجد في بعض الحركات الإسلامية شفافية ولا أجهزة رقابية فاعلة، فهل يتعين تأسيس حسبة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر داخل الحركة الإسلامية ذاتها؟

    ما من ريب أن بعض الحركات الإسلامية –وليس كلها- تعاني من الأمراض التي وصفتَها فأحسنتَ التوصيف. وأخطر ما هنالك غياب الشفافية والرقابة، وثقافة المداهنة والطاعة العمياء، والسكوت على القصور القيادي والأدائي، خوفا من الاتهام بشق الصف وبذر الفتنة. لكن البيعة قبل أن تكون مع الحركة، هي بيعة مع الله عز وجل، وهي تتأسس على الصدق مع الله تعالى أولا، ثم مع الناس بعد ذلك، والتقيد بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه بـ"قول الحق وإن كان مرا" (أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: : "رواه الطبراني في الصغير، والكبير بنحوه … ورجاله رجال الصحيح غير سلام أبي المنذر، وهو ثقة، ورواه البزار") وتسمية الأخطاء بأسمائها دون مواربة، وخصوصا أخطاء القادة والأكابر الذين هم محل القدوة والأسوة . وأنا أرى أن المشكلة تتجاذبها جوانب فقهية وفكرية عديدة:

    أما من الناحية الفقهية، فإن فقهنا السياسي ضعيف جدا، ضاعت فيه الأولويات الشرعية، واندرست رسوم المبادئ السياسية الإسلامية. ولذا تجد بيننا من يتورع عن الوقوع في أمور خلافية بسيطة جدا بالميزان الشرعي، لكنه لا يتورع عن ارتكاب موبقات سياسية بالمعيار الشرعي، مثل فرض نفسه قائدا على قوم وهم له كارهون، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم عدَّ من أشد الناس عذابا يوم القيامة " إمام قوم وهم له كارهون" (رواه الترمذي وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر)، ولفظ "الإمام" في الاصطلاح النبوي ليس إمام الصلاة فقط، بل القائد السياسي والعسكري كذلك، ومثل تولية شخص على قوم وهو يجد أصلح منه، وهو ما اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم "خيانة لله ورسوله"، فقال صلى الله عليه وسلم: " من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله" وفي رواية: "من قلد رجلا عملا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين" (رواه الحاكم).

    ومن الناحية الفكرية لا تزال ثقافة الإسلاميين الإدارية والقيادية متخلفة جدا، وكأنهم لم يسمعوا شيئا عن ثورة العلوم السياسية والإدارية المعاصرة، وهي ثورة غذت العقل البشري بنظريات وإنجازات هائلة. وقد قاد ذلك التخلف إلى تضخم جانب العمل السري –رغم أنه من باب الضرورات والاستثناء، ولا حاجة إليه في أكثر الحالات- على جوانب العمل العلني المفتوح. كما أدى إلى مساوئ كثيرة في الإجراءات والآليات القيادية والتنظيمية. أعتقد أن واجبنا في مثل ظروفك هو التمسك بالجماعة، مع الإصرار على المصارحة والمناصحة. ومع كثرة الناصحين وجرأتهم في قول الحق –دون إثارة شقاق- تصبح المكاشفة والنقد جزءا من ثقافة الحركة، وأمرا معتادا كما هو المفترض أصلا.

  • ماهي الخطوات المفيدة في رأيكم للتعاطي مع الشيعة؟ الحوار أم المواجهة؟

    هنالك رؤيتان للتعامل مع الطوائف الإسلامية الخارجة عن خط جمهور الأمة: رؤية استيعابية إيجابية، ترى الحوار والتقارب والتعاون سبيلا إلى دمج هذه الطوائف في الأمة من جديد. ورؤية تتعامل معهم بمنطق متشنج تصادمي، تعتمد التشهير أكثر من التعليم، والقوة أكثر من الإقناع. والشيعة مسلمون، يصلون إلى قبلتنا ويأكلون ذبيحتنا، فلهم ذمة الله ورسوله، على لسان نبي الله صلى الله عليه وسلم، شأن غيرهم من عامة المسلمين. ووقوع المسلم في بدعة أو معصية لا يسقط حقه في النصرة والموالاة والأخوة، بل الواجب الشرعي هو منحه حق الأخوة والولاء، مع الحرص على نصحه وهدايته إلى السبيل الأقوم الذي دل عليه الكتاب والسنة، ومساعدته على التخلص من البدعة والمعصية..

    وقد ابتليت الأمة المسلمة في عصور انحطاطها بنزعة طائفية مزقت أحشاءها، وفتحت الباب لأعدائها. وهي نزعة يشترك فيها الكثيرون من الجمهور ومن الطوائف بكل أسف. ومن أسباب ذلك الخلط بين الوحي والتاريخ، وبين الشخص والمبدإ، وعدم الوعي بالزمان، والجهل بالخلافات التاريخية التي بدأت في عصر الصحابة رضي الله عنهم ولا تزال تلقي بظلالها على الأمة اليوم، والجهل بما عند الطرف الآخر، وتغليب سوء الظن، ومحاكمة السرائر، على منهج البساطة، وإيكال السرائر إلى الله. وقد قدمت في كتابي: "الخلافات السياسية بين الصحابة: رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ" رؤية لقراءة تلك الخلافات بشكل أقرب إلى التحقيق إن شاء الله، وأبعد عن منطق الجدل والمراء المفرق. وأغرب ما اكتشفته في إعداد ذلك الكتاب، هو الأخطاء الفادحة التي وقع فيها بعض أهل السنة –ومنهم علماء أعلام- في تناولهم للخلافات السياسية بين الصحابة، ثم بنوا عليها مفاصلة مع الطوائف الأخرى، رغم أنهم هم المخطئون في النقل أو في التحليل. أما أخطاء الشيعة في هذا المضمار فهي أشهر من أن تذكر..

    أعتقد أن منهج الاستيعاب والاكتساب هو الذي برهن التاريخ على نجاحه في التعاطي مع الشيعة وغيرهم من الطوائف. فقد كانت الإسماعيلية – وهي من أشد الطوائف غلوا وبعدا عن الجادة- تحكم مصر والمغرب وبلادا إسلامية أخرى في يوم من الأيام، ثم تلاشت واندثرت في هذه البلدان، بفضل التغيير الذي حدث في المناخ الفكري والفقهي. ولم تتلاش تحت حد السيف أو جدل المتجادلين. وفي ذلك عبرة لنا اليوم. أما أسلوب التكفير والعزل السائد الآن فهو يقوي انغلاق أي أقلية على ذاتها، وتشبثها بما في يدها من بدع وانحراف. كما أنه يعمق الجرح، ويوسع الشرخ في صف الأمة في ظروف الطوارئ التي تعيشها اليوم، وفي ذلك خذلان للأمة، وتفريط في قضاياها الكبرى. واجب الحركة الإسلامية هو لم الشمل وجمع الكلمة، وتعليم المسلمين سنة وشيعة الحديث في خلافاتهم دون تشنج، حديث الأخ إلى أخيه.

    فإذا أخذنا موضوع الشيعة في سياق بعض الدول المسلمة تخصيصا، فإن الأمر أشبه ما يكون بالبركان، لأن الطائفية هناك باب واسع إذا لم يغلقه الحكماء، فإن القوى الدولية الطامعة ستستغله أسوأ استغلال، وربما سولت لها نفسها تمزيق تلك الدول، ووضع اليد على ثرواتها، تحت شعار حماية الأقليات وصيانة حقوق الإنسان. والأمر كله يتوقف على حسن إدراكنا لحالة الطوارئ التي تعيشها الأمة، والتحرر من الفكر الإقصائي، وتغليب أسلوب الحكمة والاكتساب والاستيعاب، على أسلوب الجدال والتمزيق والتفريق.

  • هل تملك الحركات الاسلامية المعاصرة وخاصة جماعة الاخوان المسلمين مشروعا حقيقيا لحل أزمات الأمة لتتمكن من إقناع الناس بأهليتها كبديل؟

    الحركات الإسلامية هي أمثل البدائل، ولكنها ليست بديلا مثاليا، إذ لا مثاليات في الحياة السياسية والاجتماعية، بل تسديد ومقاربة واجتهاد يخطئ ويصيب. وبعض هذه الحركات أنضج تجربة، وأحسن خبرة، وأوضح تصورا من البعض الآخر. وبعضها يمتلك مشروعا واضحا ويعرف ماذا يريد وكيف يريده، وبعضها يعرف ما لا يريد أكثر مما يعرف ما يريد. وكلها تعاني من نقص في الثقافة العملية، أو "الفكر الفني الذي يعجل بحركة التاريخ" كما يدعوه مالك بن نبي رحمه الله، والمقصود به حسن التنظيم والتخطيط وسلامة البناء الإداري والقيادي. وفي كل الحركات الإسلامية خير وبركة، فهي مشروع أمة لا تزال تحاول القيام من عثرتها التاريخية. ولهذه الحركات الفضل في حمل الهم، وإن تنجح بعدُ في تحقيق الغايات المبتغاة. وهي بحاجة إلى أكثر من إقناع الناس، إنها تحتاج إلى الالتحام بالناس، وأن تكون من الناس والناس منها. فهذا هو سبيلها الوحيد لقيادة الأمة.

    وأهم ما تحتاجه الحركات الإسلامية اليوم، ومن ضمنها حركة الإخوان المسلمين، هو إدراك الظرف التاريخي الدقيق والانتقالي الذي تعيشه الأمة اليوم، فإن هي بادرت إلى تدارك القصور في بنيتها وقيادتها وأدائها، وعلاقتها بالدولة والمجتمع والعالم، فستتحقق لها الريادة، وإلا فإن الأمة بدأت التحرك، ولن تنتظر أحدا. وقد بدأ يساروني شك في أن بعض الحركات الإسلامية العريقة سيطويها النسيان، بعد أن فشلت في مواكبة حركة الأمة، ولعل في ذلك خير: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

  • ألا يمكن الحديث عن مرحلة ما بعد الجماعات، باعتبار أن التحديات والمسارات المستقبلية للأمة تتجاوز ضيق أفق الجماعات إذا كان المقصود الجماعات المتمحورة حول ذاتها، المفاخِرة برجالها وأشكالها، المتعالية على عموم أبناء الأمة، المغرمة بالجدل والمناظرات، السخية في توزيع الاتهامات.. فهذه لا مستقبل لها، فقد تعبت الأمة من هذا النمط من الجماعات، وتراكمت تحديات كثيرة لا تستطيع هذه الجماعات التعاطي معها برؤاها الضيقة وأساليبها القاصرة. وإذا كان المقصود الجماعات التي تجمع الشمل، وتحدب على الأمة بكل مذاهبها ومشاربها، وتتعامل بالحسنى مع الجميع وترحمهم، وتتفهم العالم من حولها... فهذه ستبقى، بل هي طلائع التغيير والبناء القادم بإذن الله.
  • في علاقتنا مع الغرب مفارقات كبيرة وكثيرة فنحن نشتمهم ونتوعدهم ولكننا نستلهم تجربتهم في الديمقراطية وحقوق الانسان.. ماسر هذه المفارقة؟

    السر في هذه الازدواجية أن الغرب "يفتح متاجره أمام الآخرين أكثر مما يفتح مدارسه" كما قال الفيلسوف مالك بن نبي. فنحن أمام ظاهرة مزدوجة: هي "الغرب في ذاته" و"الغرب في صلته بنا". أما الغرب في ذاته فلديه بعض القيم التي تستحق الثناء حقا، وبالذات القيم السياسية التي ضيعها المسلمون منذ منتصف القرن الأول الهجري فضاعوا. وأما الغرب في صلته بنا فالاستعمار عنوانه والاستغلال هدفه. وكما قال لي بروفسور أمريكي صديق: "المشكلة ليست في أن أمريكا لا تؤمن بحقوق الإنسان، المشكلة في تعريفها للإنسان". فنحن لسنا داخلين في التعريف الغربي للإنسان حتى الآن. والإعلان العالمي لحقوق الإنسان تم إصداره في باريس عام 1949 في وقت تمتد المستعمرات الفرنسية على مسافات شاسعة من إفريقيا وآسيا، ويستعبد فيه الفرنسيون شعوب تلك الدول. وتلك هي الازدواجية الأخلاقية في أسمى معانيها!!

    أنا لا أستغرب ازدواجية موقفنا من الغرب، لأن الغرب ظاهرة مزدوجة.

  • صورة العربي والمسلم اليوم في الذاكرة الأميركية هي حبيسة التنميط الجنسي والنفطي وألف ليلة وليلة والرجل العنيف.. كيف يمكن للمقيم المسلم في الغرب أن يحسن من هذه الصورة؟

    كتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك عن فضيحة سجن أبي غريب في صحيفة "الاندبندنت"، فقال: إن ما حدث للسجناء العراقيين "جزء من ثقافة ترجع جذورها إلى أيام الحروب الصليبية، ثقافة ترى أن المسلم شخص قذر وفاجر، وحاقد على المسيحية، وغير جدير بأي عطف إنساني".

    تلك هي الصورة النمطية التي لا تزال راسخة في أذهان العديد من الغربيين، تغذيها آلة الإعلام والسينما بكل جديد. وقد قدم الدكتور جاك شاهين أستاذ الإعلام في جامعة كولومبيا الأميركية دراسة عميقة عن هذا الموضوع في كتابه المعنون :"عربي التلفزيون" The TV Arab ومن أهم مهمات المسلمين في الغرب اليوم –خصوصا في أمريكا– التغلب على هذه الصورة النمطية العدوانية، وتقديم صورة أكثر إنسانية وإشراقا. . ولن يكون ذلك إلا بالتفاعل الإيجابي مع المجتمع المضيف، وإسماع الصوت غير ملجلِج.

    لكن الأمر أكثر تعقيدا من مجرد حملة علاقات عامة: فصورة المسلم في الغرب ليست وليدة ما يفعله المسلم فقط، بل هي وليدة ما يُفعل به أيضا. وهذا الشق الأخير أهم وأقوى في اعتقادي. فالمعادلة ليست: "غير صورة المسلم في الذهن الأمريكي تتغير سياسات أمريكا تجاه العالم الإسلامي"، لكنها: "غير سياسات أمريكا في العالم الإسلامي تتغير صورة المسلم في الذهن الأمريكي".

    إنها جدلية الفكر والواقع، وأيهما أعمق أثرا في الآخر. وفي حالتنا هذه أعتقد أن تغيير الواقع هو الذي سيقود إلى تغيير الفكر، لأن العقلية الأمريكية عملية جدا، يؤثر فيها تغير الوقائع على الأرض أكثر مما تؤثر فيها المواعظ والأفكار المجردة.
  • أليس بإمكاننا استثمار الأصوات الحرة والعادلة في الغرب، بدلا من صيغة التعميم التي لاتزال تغلب على بعض المتحدثين؟

    أنا ممن يدعون إلى دراسة "الخريطة الإنسانية" لأمريكا، أقصد تركيبة المجتمع، وتنوعها الديني والعرقي والثقافي والسياسي، ودور الدين والمال والإعلام والتجربة التاريخية فيها..الخ ففهم الخريطة الإنسانية لأي مجتمع هي التي تعين على حسن التعاطي معه. ولم تعد النظرة السطحية والمعلومات السياحية كافية في هذا المضمار.

    ولو أن المسلمين استوعبوا خارطة المجتمع الغربي بشكل عام، والأمريكي بشكل أخص، لوجدوا لهم نصيرا في هذه المجتمعات، من ذوي النزعة الإنسانية الحرة، والنزعة الاجتماعية الطامحة إلى العدل، كما وجدها المسلمون الأوائل في شخص الزعيم القبلي أبي طالب، والملك المسيحي النجاشي، والأعرابي الشاعر معبد بن أبي معبد، والحاخام اليهودي مخيريق..الخ

    لكن الأمر يقتضي نظرة إيجابية متفائلة، متحررة من التعميم السهل، مستوعبة للتفاصيل والدقائق. ومرة أخرى أحيل القراء الأفاضل إلى مقال لي في الجزيرة نت بعنوان "المشهد الأمريكي المركب"، ففيه محاولة تحليلية للظاهرة الأمريكية، وتنبيه إلى ضرورة استيعابها، مهما يكن موقفنا منها.

  • هل المشكلة في ثقافة المسلمين أم في سياسة الغرب؟

    هذا سؤال كبير وهو جوهر الخلاف في تفسير المواجهة والعداوة بين العالم الإسلامي والغربي. فالمسلمون يؤمنون أن المشكلة في سياسات الغرب، والغرب أو الحكومة الأمريكية على الأقل تؤمن بأن المشكلة هي في ثقافة المسلمين ولذلك تحاول تغيير المناهج الدراسية في الدول الإسلامية واستبدال الثقافة الإسلامية بثقافة غربية علمانية لكن هذا التفسير الذي تتبناه النخبة السياسية الأمريكية هو تفسير سطحي من الناحية الفكرية وغير نزيه من الناحية الأخلاقية فالذي جعل كثيرا من المسلمين في العالم الإسلامي ينظرون إلى أمريكا نظرة سلبية هو السياسات الأمريكية لا غير فمن طبيعة البشر أنهم يكرهون الظلم فالشيوعي والوثني الفيتنامي الذي لا دين له قاوم سياسة الأمريكية والاحتلال الأمريكي لبلده دون أن يكون مسلما ولا حتى متدينا بأي دين.
    وحتى لو نظرنا إلى التكوين الدراسي للذين خططوا ونفذوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر فسنجد ما يكفي لنقض التفسير الأمريكي فخالد شيخ محمد الذي هو مخطط العملية درس في كلية مسيحية معمدانية بولاية نورث كارولينا الأمريكية ثم في جامعة تقنية أمريكية بنفس الولاية وثلاثة من الطيارين الذين نفذوا العملية درسوا في جامعات ألمانية ثم أخذوا شهادات الطيران من مدارس أمريكية وأحدهم درس في مدرسة كاثوليكية في لبنان ماذا يعني كل هذا؟ هذا يعني أن المدارس الإسلامية ليست هي المشكلة وأن الذين يعادون أمريكا لا يعادونها بسبب تخرجهم من مدارس قرآنية أو كليات شرعية، بل يعادونها بسبب سياساتها. فالمشكلة ليست في ثقافة المسلمين بل في سياسات الغرب. تلك هي الحقيقة المرة التي لا تريد النخبة السياسية الأمريكية الاعتراف بها لأن الاعتراف بها يتضمن إقرار بالذنب وتصحيحا للانحراف فهو أمر لا تريده هذه النخبة السياسية الآن على الأقل ومع ذلك ينبغي أن لا نيأس فالشعوب الغربية والشعب الأمريكي خصوصا ستدرك هذه الحقائق يوما ما، وستتوصل إلى أن التعاطي مع المسلمين بمنهج البر والقسط أولى من التمادي في العداء لهم، والذين يريدون توسعا في هذه النقطة يمكنهم الرجوع إلى مقالي على موقع الجزيرة نت الإنجليزي عن "الجذور السياسية لعدم الأمن في أمريكا" Political Roots of American Insecurity .
  • هل ترى أن العقيدة التي يتعامل بها الغرب مع المسلمين وثنية-مسيحية متصهينة؟

    للدين أثره العميق في تعاطي الغرب مع العالم الإسلامي، وهذا أمر يصدق على أمريكا أكثر من أي دولة أخرى. وما من شك في أن المسيحية الأمريكية لها خصائص مميزة، أهمها التأثير العميق للديانة اليهودية على المسيحية البروتستنتية. وهذا حديث طويل له خلفيات تاريخية عميقة ترجع إلى ما يعرف بالإصلاح في أوروبا، لما أعاد مارتن لوثر قراءة المسيحية وجعل للعهد القديم الذي يتضمن التوراة العبرانية أهمية أكبر من العهد الجديد الذي هو الإنجيل. ولذلك لا عجب أن كانت الدول البروتستانتية وهي أمريكا وبريطانيا وأستراليا أكثر خدمة لإسرائيل وعطفا عليها. وهو عطف أساسه مشاعر دينية عميقة عبر عنها الرئيس كارتر في كتابيه: "مصادر القوة" و"دماء إبراهيم"، كما عبر عنها كلينتون وبوش الأول وبوش الثاني كل بطريقته الخاصة قولا وفعلا.
    لكن ينبغي أن نتجنب التبسيط والتعميم. ففي أمريكا 60 مليون من الكاثوليك، وهم لا يشاطرون الأصوليين البروتوستانت رؤيتهم الصهيونية. وفي المذاهب البروتستانية نفسها يتفاوت التهود والتصهين من طائفة لأخرى. فالطائفة المعمدانية Baptist لها رؤيتها وهي تختلف عن رؤية الطائفة المنهجية Methodist وعن الطائفة المشيخية Presbyterian والطائفة التوحيدية Unitarian . وفي كل من هذه الطوائف يوجد الليبرالي المتحرر والمتدين المحافظ. وحتى هذا المحافظ المتدين قد يدفعه تدينه إلى إنصاف المسلمين والقرب منهم، وقد يدفعه تدينه إلى التعصب ضدهم والبعد عنهم.
    فلابد للمسلم المعاصر من أن يفهم الخريطة الدينية داخل الدول الغربية، وخصوصا أمريكا، ليدرك خلفيات المواقف السياسية التي تؤثر على العالم الإسلامي فلو أننا فهمنا هذه الخريطة الدينية والسياسية بتفاصيل مفرداتها لوجدنا دائما في هذه الشعوب الغربية من يمكن التفاهم معه ومن يؤمن بالعدل والإنصاف. أما التبسيط والتعميم فهو مضر من الناحية السياسية، وهو خطأ من الناحية الأخلاقية.

  • هل تعتبرون حل الانقلابات العسكرية والثورات الشعبية العنيفة خيارا صالحا أمام الحركات التغيير الإسلامية؟

    الجمود على الوسائل ليس من شيم حركات التغيير الواعية، وإيمان الحركات الإصلاحية بالتغيير السلمي لا ينبغي أن يمنعها من الترحيب بأي تغيير عن طريق آخر، إذا انسدت منافذ التغيير السلمي. فقد عانت أمتنا كثيرا وطال انتظارها. والسياسة لا تتعاطى مع القوالب الذهنية المجردة، بل تتعاطى مع الواقع ضمن خيارات محدودة، وهي تفرض أحيانا كثيرة التغاضي عن بعض الشر تجنبا لما هو أشر. وقد أورد الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عن عمرو بن العاص رضي الله أنه كان يقول: "ليس العاقل هو الذي يعرف الخير من الشر، ولكن هو الذي يعرف خير الشرين".

    ويبقى لدينا دائما أمل في التخلص من الظلمة ورجوع الحق إلى أهله. وينبغي ألا نفقد الأمل مهما ادلهمت الخطوب. فالله تعالى يبدل الأحوال ويأتي بالفرج من حيث لا نحتسب. لقد كان فرعون يفخر أن الأنهار تجري من تحته، ثم انتهى المطاف بجريان الماء من فوق رأسه، وجاء إخوة يوسف بقميصه وقد لوثوه بدم كذب، ثم جاءوا بعد ذلك بقميصه يحملون البشرى بسلامته. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

  • ثار جدل كبير حول فيلم آلام المسيح، فماذا ينبغي أن يكون موقف المسلم من هذه القضية المثارة في هذا الفيلم؟ وهل للفيلم أي مدلول سياسي؟

    من المعلوم من دين الإسلام ضرورةً أن اليهود لم يصلبوا المسيح عليه السلام، ولا قتلوه، ولا صلبه غيرهم أو قتله. فقد قال الله عز وجل: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم".
    فقصة الصلب من أساسها قصة مرفوضة إسلاميا، عقديا وقانونيا. والمسلمون لا يؤمنون بفكرة "الخطيئة المتوارثة" التي يؤمن بها المسيحيون، وخلاصتها أن كل البشر ورثوا قسطا من خطيئة آدم في الجنة، وأنهم بحاجة إلى من يضحي من أجلهم بدمه، وقد قام المسيح بهذه التضحية.. هذه كلها عقائد وثنية لا صلة لها بتعاليم الوحي، ولا تتناسق مع عدالة الخالق سبحانه.
    أما التصور الإسلامي فيتأسس على مبدأ "لا تزر وازرة وزر أخرى". فليس أبناء آدم مسئولين عن خطيئة آدم عليه السلام، كما أن آدم تاب إلى ربه وقبل توبته، كما قال تعالى: "فعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى". وليس من العدل أن يموت المسيح على الصليب تكفيرا عن خطيئة آخرين.

    والخلاصة أن فيلم "آلام المسيح" فيلم ينطلق من فكرة تتناقض مع التوحيد وعدالة الخالق سبحانه. وينبغي ألا يغتر المسلم بأن الفيلم قد أغضب اليهود؛ فالفيلم مبني على عقيدة تناقض عقيدة الإسلام.
    إن اليهود لم يقتلوا المسيح ولم يصلبوه، ولو افترضنا أنهم قتلوه -وهو افتراض باطل بنص القرآن الكريم- فمن الظلم تحميل يهود اليوم ما اقترفته أيدي اليهود قبل 2000 عام.

    لقد اعترض اليهود في أمريكا وفي كل مكان على صدور الفيلم، ونددت به "رابطة محاربة التشهير" وهي منظمة يهودية أمريكية نشطة، وقاطعه رجال أعمال اليهود الذين يسيطرون على مؤسسة "هوليوود"، أشهر مؤسسة أمريكية وعالمية في صناعة الأفلام.
    أما الإسرائيليون فقد بلغوا من الانزعاج كل مبلغ، حتى قال عضو في الكنيست ووزير إسرائيلي سابق بكل فجاجة: "نعم نحن قتلنا المسيح.. إنه غلام يهودي رفض دين آبائه فقتلوه طبقا لقانون التوراة"!! (صحيفة إسرائيل من الداخل). وطالب بعض أعضاء الكنيست بمحاكمة "ميل جبسون" مخرج الفيلم.
    فالمدلول السياسي للفيلم هو أن اليهود بدءوا يفقدون السيطرة على العقل الأمريكي، وقد تحداهم مخرج الفيلم "ميل جبسون" في معاقلهم. وذلك نذير شؤم وعلامة خطر بالغة بالنسبة لهم
    .

  • هل يجوز للمسلمين المشاركة في الانتخابات الأميريكة تصويتا وترشيحا وترشيحا؟

  • أحب لفت انتباه السائل الكريم إلى أمرين يحسن تأملهما، واتخاذهما أصلا ومرجعا في هذا المقام: أحدهما في القرآن الكريم، والآخر في السنة النبوية.
    أما الذي في القرآن الكريم فهو سؤال يوسف عليه السلام ملك مصر أن يكل إليه أمر المال العام ليعد خطة تحمي الناس من المجاعة: "قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم".. فلم ينظر يوسف عليه السلام إلى كون الملك كافرا مستكبرا، بل نظر إلى حاجة عامة الناس إلى من يقوم بمصلحتهم، ويحمي أرواحهم من الخطر الداهم.
    وأما الذي في السنة فقد ورد في قصة الهجرة إلى الحبشة الواردة في مسند الإمام أحمد عن أم سلمة رضي الله عنها أم المؤمنين وإحدى المهاجرات إلى الحبشة.
    فقد جاء في تلك الرواية قول أم سلمة: "... وأقمنا عنده [أي عند النجاشي] بخير دار مع خير جار. قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به من ينازعه في ملكه، قالت: فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزِنَّاه، وذلك تخوفا أن يظهر ذلك [الثائر] على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت: وسار النجاشي وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا. قالت: وكان من أحدث القوم سنا. قالت: فنفخوا له قِرْبة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.
    قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده. واستوثق له أمر الحبشة...".(مسند الإمام أحمد 5/291 ط مؤسسة قرطبة).
    فأنت ترى أنه لما ثار على النجاشي ابنُ أخيه وحاول الإطاحة به، لم يقف المسلمون المهاجرون في الحبشة على الحياد، ولم يقولوا: ملك مسيحي يقاتل ابن أخيه المسيحي. بل لجئوا إلى الله في الدعاء للنجاشي "بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده"، وبعثوا رائدهم ليستطلع مآل المعركة. ولو كان عندهم ما يقدمونه غير ذلك لفعلوه.
    وهذا هو المنظور الذي ينبغي أن ينظر منه المسلم الذي يعيش في الغرب إلى موضوع المشاركة السياسية.
    فالمشاركة في الانتخابات الأمريكية بنية ترجيح كفة الخير وتوسيع دائرة العدل مطلوبة ومرغوبة، وليست هي من الولاء للشرك، ولا من العون على الظلم والعدوان.
    أما الحكم على البرلمانات بأنها مجالس كفر وشرك، فهو تبسيط لأمر مركب، وبيان ذلك أن الكونجرس الأمريكي – مثلا- ليس هيئة دينية، بل إن الدستور الأمريكي يحظر على الكونجرس سن أي قانون يدعم الدين، أو يقيد حرية الدين.
    بمعنى أن الكونجرس ليس مجلس كفر، وإن كان أعضاؤه كفارا، ولا هو مجلس إيمان بالطبع، حتى ولو وجد فيه مسلمون. بل هو ملزم بالحياد في أمور الدين بنص الدستور.
    فكل ما يعرض على الكونجرس أو يبادر به الكونجرس هو أمور ذات صلة بالمصالح العامة. ومشاركة المسلم في تحقيق المصالح العامة واجب شرعي، سواء كانت مصالح المسلمين في أمريكا أو خارجها، أو كانت مصالح غير المسلمين.
    فالمسلمون الذين يشاركون في الانتخابات الأمريكية لا ينبغي أن يشاركوا فيها بروح أنانية، أي لتحقيق مصالح الأقلية المسلمة فقط، بل لإنقاذ الأمة الأمريكية كلها من أمراض عقدية وخلقية واجتماعية مزمنة، تماما كما أنقذ يوسف الصديق من قبل أمة وثنية من المجاعة.
  • ما هي صفات الفرقة الناجية في زماننا هذا حتى تكون مبرئة للذمة أمام الله تعالى؟

    إن أحاديث الفرق الهالكة والفرقة الناجية من الأحاديث التي أثارت جدلا واسعا قديما وحديثا، ودخلت التعصبات المذهبية والطائفية في تأويلها. رغم أن الأحاديث واضح الدلالة في أن الفرقة الناجية تتعين بالوصف لا بالتعيين. فأغلب روايات الحديث فيها: " قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي" (صحيح الترمذي)، وبعض رواياته: " " قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة" (قال الألباني: إسناده حسن لغيره). وفي إحدى رواياته الضعيفة: "كلهم على الضلالة إلا السواد الأعظم".

    وأنا لا أرى وجها لمحاولة كل من الأشاعرة وأهل الحديث في الماضي احتكار مسمى الفرقة الناجية لأنفسهم، كما لا أرى وجها لمحاولة بعض الجماعات السلفية اليوم احتكار هذه الميزة. فإن أي مسلم بذل جهده لاتباع ما كان عليه النبي صى الله عليه وأصحابه فهو من "الفرقة الناجية". وليس من اللازم أن توجد هذه الفرقة في زمان واحد أو مكان واحد. بل قد تكون مجموع أناس عاشوا في قرون مختلفة. كما أن الرواية التي جعلت الفرقة الناجية هي "الجماعة" تعطينا الأمل أن أغلب المسلمين داخلون في معنى الفرقة الناجية. وهذا التأويل أحب إلي من التأويلات الطائفية السائدة.

  • الديموقراطية تعني سيادة الشعب.. فما مدى مطابقتها لسيادة الإسلام وحكم الله تعالى؟؟

    اعتاد الناس في بلاد الإسلام أن يضعوا حكم الله مقابلا لحكم الشعب، وهذا مصدر اللبس في نظرة العديد من المسلمين إلى الديمقراطية بمنظار أسود. كما أن بعض المسلمين لا يميزون في الديمقراطية ما كان شكلا إجرائيا وما كان مضمونا قيَميا. والحقيقة أن حكم الأمة المسلمة لا يناقض حكم الله تعالى، وهذا معنى عصمة الأمة، وهو أيضا المعنى الأصلي للإجماع. فالإجماع الوارد في السنة مفهوم سياسي، قبل أن يتحول إلى مصطلح فقهي بعد ذلك كما بين العلامة علال الفاسي رحمه الله.

    أما الديمقراطية ففيها ما هو شكل إجرائي، مثل التصويت، وحكم الأغلبية، وتشكيل الأحزاب..الخ ومنها ما هو قيمي مثل نوع التشريع الذي يتم إقراره في البرلمان. أما الشكل فهو مفيد وهو خبرة بشرية متراكمة. وأما القيم فتختلف من مجتمع لآخر. فقد يصوت البرلمان البريطاني أو الأميركي على قانون يبيح عمل قوم لوط، بينما يصوت البرلمان الإيراني أو السعودي على قانون يحرم لك. وكلا العمليتين تمتا بصيغة ديمقراطية. فنتيجة الديمقراطية في مجتمع مسلم ستأتي بأحكام الإسلام من دون ريب، ونتائجها في مجتمع غير مسلم ستأتي بغير ذلك، ولا يتوقع منها غير ذلك. فالمعركة من أجل الديمقراطية اليوم هي جزء من المعركة من أجل الحياة الإسلامية، والديمقراطية هي الطريق إلى الإسلام، وليست انحرافا عنه. وللتوسع في هذا أرجو مراجعة مقالي على موقع الجزيرة نت بعنوان "الشرعية قبل الشريعة" فهو يوضح هذه الفكرة بتفصيل.

للاطلاع على نص الكتاب كاملا: : تكرموا بالاتصال على الناشر

"مركز الراية للتنمية الفكرية" في دمشق أو جدة:

دمشق _مزة _فيلات الاستاذ مازن الدباغ هاتف 6119713

أو
جدة -شارع الستين _ مركز النصار التجاري _الدور الرابع - مكتب رقم 405
هاتف 6686810 أو 6686820